Skip to content

إعادة تعريف دور المرأة السعودية في حماية البيئة: لقاء مع أسماء خضير

4 min read

8 March 2025

في أحد صباحات عام 2021، جلست أسماء خضير في قلب البلدة القديمة بالوجه، تستعد لمقابلة ستغير مجرى حياتها. كانت على وشك الانضمام إلى محمية الأمير محمد بن سلمان الملكية، حيث وجدت الفرصة لربط رحلتها الشخصية برؤية تتجاوز طموحاتها الفردية.

لم تكن المحمية مجرد مساحة طبيعية محمية، بل منصة لصناعة التغيير، وهو ما اختبرته أسماء بنفسها. واليوم، تشغل منصب مدير أول لبناء القدرات والاستخدام المستدام للموارد الطبيعية، مؤكدةً التزام المحمية بتمكين المجتمع المحلي وتعزيز دوره في الحفاظ على البيئة.

بدأت أسماء رحلتها الأكاديمية عام 2012 عندما قررت خوض تجربة الدراسة في الولايات المتحدة، رغم عدم إجادتها للغة الإنجليزية آنذاك. لكنها لم ترَ في ذلك عائقًا، بل تحديًا. وعلى مدى أربع سنوات، لم تكتفِ بالحصول على درجة الماجستير في الرياضيات عام 2016، بل اكتسبت أيضًا مهارات التحليل وحل المشكلات، إلى جانب منظور عالمي أوسع. عند عودتها، كانت الفرص المتاحة للنساء محدودة، لكن تأسيس المحمية فتح لها أبواب مجال جديد كليًا، حيث وجدت الفرصة ليس فقط لتمهيد الطريق أمام المرأة، بل للمساهمة في خدمة مجتمعها بعمق وتأثير.

عملت أسماء عن كثب مع إليفثيريا كاستيس، الرئيس التنفيذي للأعمال، وبرونون جيمس، المدير المؤسس لـ”نيتشر كونكت”، لوضع أسس برنامج بناء القدرات في المحمية، وتدريب أبناء المجتمع المحلي ليصبحوا مفتشين بيئيين. وتصف تلك البداية قائلة:
“عندما التحقت بالمحمية، شعرت أنني أخيرًا في المكان الصحيح. كنت دائمًا أؤمن أن التغيير الحقيقي يبدأ من داخل المجتمع نفسه، ومن يستطيع تحقيقه أفضل من شخص يعرف التحديات التي تواجهه عن قرب؟”

كانت البداية مع 48 مفتشًا بيئيًا، من بينهم 19 امرأة، يخضن تجربة غير مسبوقة في مجال يسيطر عليه الرجال عالميًا. لم يكن تقبّل المجتمع لهذه الفكرة سهلًا، فقد استلزم الأمر جهدًا وإصرارًا لتغيير القناعات. تقول أسماء:
“كنا ندرك أن إقناع العائلات لن يكون بالأمر الهين، فالكثيرون كانوا مترددين، بل وحتى رافضين للفكرة. لكننا لم نطلب منهم أن يغيروا قناعاتهم بالكلام فقط، بل أثبتنا لهم أن هذه ليست مجرد وظيفة، بل دور جوهري في حماية أرضنا وإرثنا الثقافي.”

واليوم، أصبحت المحمية تحتضن أكبر وحدة مفتشات بيئيات في المملكة والشرق الأوسط، وهو إنجاز تعتبره أسماء انعكاسًا لما يمكن تحقيقه تحت مظلة رؤية السعودية 2030. وتضيف:
“كلما رأيت هؤلاء النساء يسرن بخطى واثقة عبر الجبال، يراقبن الحياة الفطرية، ويدونّ ملاحظاتهن بحرفية، يزداد يقيني بأن التغيير الذي سعينا إليه ليس مجرد فكرة، بل واقع ملموس صنعناه معًا.”

تتحدث أسماء بفخر عن اللحظات التي رأت فيها المفتشات البيئيات يواجهن التحديات الميدانية بثقة متزايدة. وتقول:
“لم نكن بحاجة إلى خطابات لنثبت قدراتنا. العمل الفعلي على الأرض هو ما غيّر المفاهيم. عندما ترى النساء وهن يجتزن التضاريس الوعرة، ويتتبعن آثار الحيوانات، ويقمن بالدوريات البيئية بكل كفاءة، تدرك أن الصور النمطية لم تعد ذات معنى.”

لكن دور أسماء لم يتوقف عند تدريب المفتشات البيئيات، بل امتد إلى قيادة برامج التوعية البيئية في المدارس، حيث تعمل على غرس الوعي البيئي بين الأطفال والمعلمين من خلال أنشطة تفاعلية وورش عمل متخصصة. وتصف شعورها قائلة:
“التعليم كان دائمًا شغفي الأول. لا يوجد شعور يضاهي رؤية طفل يفهم لأول مرة كيف يؤثر كل فعل صغير نقوم به على بيئتنا. تلك اللحظة التي يضيء فيها وعيهم، هي ما يجعل كل جهد يستحق العناء.”

كما تولت معالجة التحديات البيئية التي تواجه المجتمعات المحلية، مثل الرعي الجائر والصيد المستدام، لضمان توافق جهود الحماية مع احتياجات الناس. من خلال إشراكهم في تصميم الحلول، أسهمت أسماء في بناء نموذج تكاملي يحمي البيئة دون الإضرار بسبل العيش. وتقول في هذا الصدد:
“العمل في الحفاظ على البيئة لا يعني فرض القوانين فقط. لا يمكنك أن تأتي إلى مجتمع ما وتخبره بما يجب عليه فعله. عليك أن تستمع إليهم أولًا، تفهم احتياجاتهم، ثم تبني معهم حلولًا يشعرون أنها تخصهم.”

تعمل أسماء اليوم مع مجموعة واسعة من الشركاء، محليًا ودوليًا، مما يمكنها من الجمع بين خبرتها العلمية وفهمها العميق للمجتمع، وإثراء جهود المحمية بلمسة إنسانية تجعل الحماية البيئية أكثر شمولية وتأثيرًا.

تحمل أسماء للمحمية طموحات تتجاوز حدود العمل اليومي. في مخيلتها، ترى بيئة نابضة بالحياة، وأسراب الطيور المهاجرة تملأ الأفق، وأرضًا يستمتع بها أطفالها كواقع ملموس، وليس كذكرى بعيدة. وتختتم حديثها قائلة:
“حين نخسر بيئتنا، لا نخسر الأرض فقط، بل نخسر جزءًا من هويتنا وتاريخنا. وما نقوم به هنا ليس مجرد حماية للمحمية، بل حماية لمن نكون.”

You said: