Skip to content

الحُراس الخفيّون: كيف تكشف مصائد الكاميرا أسرار محمية الأمير محمد بن سلمان الملكية

3 min read

9 February 2025

في شمال غرب المملكة العربية السعودية، تمتد محمية الأمير محمد بن سلمان الملكية على مساحة تقارب 24,500 كيلومتر مربع، أي ما يعادل مساحة دولة صغيرة. تجمع هذه المنطقة المحمية بين الجبال الوعرة، السهول الرملية، وغابات المانغروف الممتدة على ساحل البحر الأحمر، مما يجعلها واحدة من أهم المناطق الطبيعية الغنية بالتنوع البيئي في الشرق الأوسط. فهي موطن لأكثر من 50% من الأنواع البرية في المملكة، بما في ذلك الوعل النوبي (Capra nubiana) وأكثر من 200 نوع من الطيور.

لكن حماية هذه المساحة الشاسعة ومراقبة تنقلات الحيوانات ليست بالمهمة السهلة، خاصةً مع الطبيعة القاسية وتعدد البيئات فيها. وهنا يأتي دور مصائد الكاميرا، التي أحدثت تغييرًا كبيرًا في طريقة دراسة الحياة البرية داخل المحمية.

مفتشة بيئية تنصب مصيدة الكاميرا في إحدى مناطق المحمية

مصيدة الكاميرا هي جهاز يعمل بحساسات استشعار الحركة والأشعة تحت الحمراء، مما يتيح تسجيل صور ومقاطع فيديو للحيوانات في بيئتها الطبيعية دون أي تدخل بشري. تُستخدم هذه التقنية في البحث البيئي لدراسة الحيوانات البرية التي يصعب رصدها بالوسائل التقليدية، حيث يتم تثبيت الكاميرات في أماكن مختارة بعناية داخل المحمية، لتعمل على مدار الساعة، توثق تحركات الحيوانات وسلوكياتها، وتوفر بيانات غير مسبوقة للباحثين.

في عام 2021، لعبت مصائد الكاميرا دورًا رئيسيًا في تسجيل أول رصد مؤكد لـابن آوى الذهبي (Canis aureus) في شمال غرب المملكة. التقطت الكاميرات صوره في جبال المحمية، وهو ما يعد أبعد توثيق جنوبي غربي لهذا النوع في السعودية. كان هذا الاكتشاف دليلًا على مدى غنى المحمية بالتنوع البيئي، رغم أن العديد من أسرارها لا تزال غير مكتشفة.

الصورة: ابن آوى الذهبي كما ظهر عبر مصيدة الكاميرا داخل محمية الأمير محمد بن سلمان الملكية

حتى اليوم، تم توزيع أكثر من 100 مصيدة كاميرا عالية الدقة داخل المحمية، تغطي مناطق تمتد من الجبال الجرانيتية إلى الصحارى المفتوحة.

خلال عامين من المراقبة المستمرة، التقطت هذه الكاميرات3928  صورة، وثّقت 685 مرة رصد مؤكدة لـ 13 نوعًا من الثدييات، مما ساعد الباحثين في تحليل أنماط التنقل، ودراسة كيفية استخدام الحيوانات لمختلف البيئات داخل المحمية.

يقول علي الفقيه، مدير التنوع البيولوجي والأبحاث في المحمية:

تحتضن المحمية أنواعًا متكيفة مع الظروف الصحراوية القاسية، مثل الوعل النوبي (Capra nubiana) والثعلب الأفغاني (Vulpes cana)، وكلاهما مصنف ضمن الفئات معرض للانقراض  وفق تصنيفات الاتحاد الدولي لحماية الطبيعة (IUCN)، إضافةً إلى الذئب العربي (Canis lupus arabs) المصنف ضمن فئة غير مهدد. تتميز هذه الأنواع بكونها منفردة، ليلية، أو قليلة العدد، مما يجعل دراستها بالوسائل التقليدية صعبة. هنا يأتي دور مصائد الكاميرا، التي أصبحت من أهم الوسائل العلمية لمراقبة الثدييات متوسطة وكبيرة الحجم في البيئات الصحراوية.”

صور التقطتها مصائد الكاميرا في محمية الأمير محمد بن سلمان الملكية، تظهر الثعلب الأفغاني، الوبر الصخري، الذئب العربي، والوعل النوبي في بيئات مختلفة داخل المحمية

إلى جانب دورها البحثي، أصبحت مصائد الكاميرا أداة أساسية لمراقبة المخالفات البيئية داخل المحمية. فمن خلال التعاون مع القوات الخاصة للأمن البيئي (SFES)، تساعد هذه التقنية في رصد المناطق النائية التي يصعب تغطيتها بشكل دائم، مما يمكن الجهات المختصة من الكشف عن الصيد الجائر والتعديات غير القانونية.

لا يُعد برنامج مصائد الكاميرا مجرد مشروع بحثي، بل هو جزء من رؤية استراتيجية متكاملة لحماية التنوع البيئي في المحمية. ومع توسع استخدام هذه التقنية، سيتم دمج تقنيات تحليل البيانات الحديثة لتوفير رؤى أعمق حول أنماط الحياة البرية، ووضع استراتيجيات حماية أكثر فعالية.

اليوم، تُعد محمية الأمير محمد بن سلمان الملكية نموذجًا عالميًا في استخدام التكنولوجيا لدراسة وحماية الحياة البرية. هذه الجهود المستمرة تعزز الحفاظ على الطبيعة الفريدة لهذا المكان، وتضمن استدامة بيئته للأجيال القادمة.